حبيب الله الهاشمي الخوئي

326

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أحوالها ( أحوال مختلفة ) إن جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لم تطل على أحد فيها ديمة رخاء إلَّا هتنت عليه مزنة بلاء ، ولم يمس امرء منها في جناح أمن إلَّا أصبح على قوادم خوف . ( وتارات متصرّفة ) يعني أنّ حالاتها تتغيّر بأهلها تارة بعد أخرى ، ومرّة بعد مرّة ، فانّها تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب ومن الرّجلة إلى الرّكب ، ومن البؤس إلى النّعمة ، ومن الشدّة إلى الرّخاء ، ومن الشّقاء إلى الرّاحة ، ثمّ تنقلب بهم فتسلبهم الخصب وتنزع منهم النّعمة والرّاحة . ومحصّله أنّها دار تصرّف وانتقال وتقلَّب من حال إلى حال صحّتها تتبدّل بالسّقم ، وشبابها بالهرم ، وغناها بالفقر ، وفرحها بالتّرح ، وسرورها بالحزن ، وعزّها بالذّل ، وأمنها بالخوف . بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا وملكا مسرورا في خفض ودعة ونعمة ولذّة وأمن وسعة ، في بهجة من شبابه وحداثة من سنّه ، وبهاء من سلطانه ، وصحّة من بدنه إذا انقلبت به الدّنيا أسرّ ما كان فيها قلبا ، وأطيب ما كان فيها نفسا ، وأقرّ ما كان فيها عينا ، وألذّ ما كان فيها عيشا ، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها ، فأبدلته بالعزّ ذلَّا ، وبالسّرور حزنا ، وبالنّعمة نقمة ، وبالغنى فقرا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالشّباب هرما ، وبالشّرف ضعة وبالحياة موتا . ففارق الأحبّة وفارقوه ، وخذله إخوانه وتركوه ، وصار ما جمع فيها مفرّقا وما عمل فيها متبّرا ، وما شيّد فيها خرابا وصار اسمه مجهولا ، وذكره منسيّا ، وحسبه خاملا ، وجسده باليا ، وشرفه وضيعا ، ونعمته وبالا ، وكسبه خسارا ، وورث أعداؤه سلطانه ، واستذلَّوا عقبه ، واستباحوا حريمه ، وتملَّكوا أمواله ، ونقضوا عهده وملكوا جنوده ، فافّ وتفّ لدار حالها هذا ، وشأن ساكنها ذلك ، وفّقنا اللَّه تعالى للزّهد فيها والاعراض عنها . وبما ذكرنا ظهر أنّ ( العيش فيها مذموم ) وأراد بالعيش التّرفّه فيها والتنعّم بلذّاتها والالتذاذ بشهواتها وإنّما كان مذموما لكونه شاغلا عن التّوجّه